روضة الثقافة والادب
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

الميتافزيقيا

اذهب الى الأسفل

الميتافزيقيا Empty الميتافزيقيا

مُساهمة  نسمة السبت ديسمبر 08, 2007 9:46 am

الميتافيزيقا" أطلقت هذه الكلمة بداية على مجموعة بحوث (أو مقالات) أرسطية كتبت باللغة اليونانية في عدة كتب (أي فصول), فقد قام أندرونيقوس الردوسي بتصنيف كتب أرسطو وترتيبها ونشرحها مع العمل على شرحها, وأثناء ذلك وجد أن هنالك مجموعة من البحوث لم يطلق عليها أرسطو اسما معينا يستقر عليه جاءت في الترتيب بعد البحوث التي كتبها أرسطو في الطبيعة (الفيزيقا), احتار أندرونيقوس على تسميتها, فأطلق عليها مؤقتا اسم ميتا Meta أي ما بعد, وفيزيقا Physics أي علم الطبيعة, أي أنها البحوث التي تلي كتب الطبيعة في ترتيب المؤلفات الأرسطية. فكلمة "ميتافيزيقا" لا تحمل أي إشارة إلى مضمون هذه البحوث, بل هي ما بعد طبيعة أرسطو فحسب. وهكذا جاءت التسمية عرضا أو مصادفة, لكنها مع تطور المصطلح أصبحت وصفا للموضوعات التي يدرسها هذا العلم, أي العلم الذي يدرس موضوعات تجاوز الظواهر المحسوسة, فهو يعني دراسة الوجود بصفة عامة وملحقاته. أي المقولات التي تعبر عن خصائص أساسية لهذا الوجود, كالجوهر والعرض والتغير والزمان والمكان والعلاقات... إلخ. بالإضافة إلى الوجود الإلهي, وصفاته والنفس والروح.
أصبحت الميتافيزيقا اسم ل"علم" لا لكتاب بالمعنى الواسع الذي يدل على مجموعة من الأفكار المنظمة والمنسقة التي تدور حول موضوع معين. ويمكننا القول بأن الميتافيزيقا أصبحت أيضا اسما للعلم الذي يبحث عن الأسس أو الأفكار الأولى في أي علم آخر.
يرى أرسطو أن الميتافيزيقا "الفلسفة الأولى" هي علم المبادئ الأولى والعلل البعيدة التي تشمل جميع المبادئ الأخرى, فهي أكثر وأشمل العلوم وأكثرها يقينا وتجريدا, فضلا على أنها أشرف العلوم لأنها موضوعها النهائي العلة الأولى أو المبدأ الأول وهو أشرف الموضوعات.. الخالق.
ليس من السهل تعريف الميتافيزيقا وبيان طبيعتها وتحديد مجالها وموضوعاتها وربما كان لسببين:
الفلاسفة أنفسهم, فالآراء هنا لا تتوخى القصد والاعتدال على الإطلاق, بل تذهب إلى حد موغل في التطرف والتضارب, سواء في القدح أو المدح, الهجاء أو الثناء. فيذهب مثلا وليم جيمس إلى أن " الفيلسوف الميتافيزيقي أشبه بالأعمى, الذي يبحث في حجرة مظلمة, عن قطة سوداء" وهذه العبارة عن مغالاة في الازدراء, والمقصود منها إبراز العبثية واللاجدوى من التفكير الميتافيزيقي بصفة عامة. وهذه النظرة كانت سائدة في القرن الثامن عشر فهاجمها فولتير "إذا رأيت اثنين يتناقشان في موضوع ما, ولا فهم أحدهما الآخر, فأعلم أنهما يتناقشان في الميتافيزيقا". ومع ذلك نجد في نفس العصر فلاسفة ينفون عن نفسهم تهمة تحقير الميتافيزيقا مثل كانط والذي يقول في رسالته إلى مندلسون "إنني أبعد ما أكون عن النظر إلى الميتافيزيقا على أنها شيء تافه يمكن الاستغناء عنه, لدرجة أنني مقتنع تماما بأن الوجود الحق الدائم للجنس البشري لا يقوم إلا عليها ولا يكون إلا بها". فيصفها ب"ملكة العلوم" و "طفلنا المدلل" ويصفها أيضا هيجل ب"قدس الأقداس" في معبد الفكر. ولا أريد التعمق أكثر بآراء الفلاسفة, فهي كثيرة, ولن يسعنا الوقت لذكرها.
السبب الثاني يكمن في, بساطة المشكلة الميتافيزيقية, يقول الفيلسوف الأفلاطوني المعاصر ألفرد إدوارد تايلور "إذا كان من الصعب, عادة, أن تضع أمام القارئ المبتدئ فكرة تمهيدية عن طبيعة الدراسة التي هو مقبل عليها, فإن هذه الصعوبة تزداد, وبصفة خاصة, في حالة البحوث التي يطلق عليها في العادة اسم الميتافيزيقا... ذلك لأن المسائل التي تعالجها هذه البحوث هي في الواقع من ذلك النوع البسيط المألوف بصفة عامة, غير أن بساطتها وعموميتها هي نفسها التي تؤلف هذه الصعوبة الرئيسية في تعريفها..."
فعندما يسأل إنسان نفسه ماذا أكون؟ من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟... إلخ يجد نفسه بسهولة شددة في قلب الميتافيزيقا. ولابد لهذه الأسئلة من طرح المزيد من الأسئلة عن طبيعة الوجود وعن خصائصه وسماته ولواحقه (أو ما يسمى بالصفات الكلية أو المقولات). فموضوعات الميتافيزيقا ليست غريبة عننا يصعب الوصول إليها, بل على العكس تماما فهي قريبة ومألوفة جدا ولهذا هي صعبة. ونعجب عادة من دراسة أناس عكفوا طويلا لسنوات على دراسة على سبيل المثال "الزمان", قد تجد أنك لا تصادف أي صعوبة في معرفة "الوقت" وذلك من خلال النظر لساعتك, لكن لو تم سؤالك, ما الزمان؟ ومن أين جاءت معرفتك له؟ أصبح الأمر صعبا, ولا تعجب عندما تعلم بأن عقول ممتازة ظلت تبحث في هذا الموضوع وكذلك المكان لأكثر من ألفي العام من "زينون لأيلي" في القرن السادس قبل الميلاد حتى "آينشتين" في القرن العشرين!.
فإذا كان هناك اقتناع عام بأن كل علم إذا أراد أن يكون شيئا أكثر من مجرد مناقشات لفظية, ولابد أن يكون له موضوع محدد يدور حوله البحث, فليس من السهل علينا أبدا أن نقول ما هو هذا الموضوع المحدد التي تبحثه الميتافيزيقا على وجه الدقة. صحيح أن الميتافيزيقا تبحث بمعنى عام في كل شيء وانه من الصواب لو قلنا اننا لا نستطيع أن نحدد فئات معينة من الأشياء, إلا أننا ينبغي أن نعرف أن الميتافيزيقا تؤثر في جميع ضروب المعرفة وتتغلغل في جميع العلوم الجزئية, بل لابد أن تكون هي نفسها موضوع بحث مستقل. (وهذا ما سأقدمه إن شاء الله إن أسعفني الوقت وهو المقارنة بين الميتافيزيقا والمنطق).
إن جميع النتائج التي نصل إليها لابد أن تكون نتيجة لمجهود الفكر وحدة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة, أي نتيجة لتحليل عقلي جاف ودقيق للأفكار, وهكذا تقف الميتافيزيقا وحدها وسط العلوم أو قل: إنها تقف وحدها مع المنطق, حين تعتمد على قدرة الباحث على مواصلة التفكير الشاق المستمر, ولعل هذا هو السبب في أن كثيرين ممن لديهم قدرات ممتازة على العمل في حقل العلوم التجريبية قد يعجزون عن السير في الدراسات الميتافيزيقية, وبالمثل فإن القدرة الميتافيزيقية الممتازة قد لا تمكن صاحبها من الحكم حكما سليما على نتائج العلوم الأخرى ومناهجها.
هناك أيضا مصدران للغموض لابد من ذكرهما لأنهما يشكلان عقبة كبرى أمام بعض الدارسين لعلم الميتافيزيقا: وهي عدم قدرة الدارس على الاستعانة بالتخيل ولا بالأشكال والرسوم البيانية ذات النفع الكبير في كثير من أفرع الرياضيات وكذلك نحن بطبيعة المشكلة نفسها لا نستمد العون من التجربة الحسية, ذلك لأن التفكير الميتافيزيقي تفكير عقلي أو قبليApriori (أي قبل التجربة), أي أنه يعتمد على منهج العقل وحده وقد يعتمد أحيانا على الحدس أو نور العقلي الطبيعي, وتستخدم الميتافيزيقا المنطق, كما تستخدم المنطق, كما تستخدم التفكير الرياضي على نحو بالغ الوضوح, فضلا على أنها تقوم بتوضيح تصورات ومفاهيم فلسفية تشكل أسس العلم, وتضع ذلك كله في نظرية نسقية (أو نسق استنباطي) ولا تقدمه على أنه مجموعة من الآراء العشوائية.

___________________________________
*مصدري هو كتاب "مدخل إلى الميتافيزيقا" ل أ. د. إمام عبدالفتاح إمام
نسمة
نسمة
Admin

المساهمات : 565
تاريخ التسجيل : 01/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الميتافزيقيا Empty رد: الميتافزيقيا

مُساهمة  نسمة السبت ديسمبر 08, 2007 9:47 am

منذ البداية كانت الميتافيزيقا أنطولوجية, واستمرت على ذلك منذ الفلسفة الونانية مع أرسطو حتى تغير في العصر الحديث والعصر التنوير. فقد امتد مجال الميتافيزيقا ليشمل مجال الابستمولوجيا (نظرة المعرفة). فقد اهتمت هذه الفلسفة عند توماس هوبز, الأسقف باركلي, جون لوك وديكارت, وفي عصر التنوير عند ديفيد هيوم ثم عند كانط. فقد وضع هؤلاء الفلاسفة اسئلة تتعلق بمشكلة المعرفة, ماهي مصادر المعرفة؟ أهي الحواس أم العقل أم الجمع بينهما, أم هي حاسة سادسة تسمى بالحدس أو(العيان المباشر)؟ وهل تستطيع قدراتنا وملكاتنا أن تعرف كل شيء؟ أم أن هناك أمورا تجاوز هذه القدرات بحيث يستحيل علينا أن نعرفها؟ وماهي طبيعة المعرفة البشرية العارفة, أعني ما النسيج الذي تتألف منه؟ ... إلخ.
ذهب الفلاسفة المحدثون إلى أن دراسة هذه المشكلة مسألة جوهرية حتى لدراسة الوجود نفسه وفهمه فهما عميقا وشاملا, إذ إن علينا كما يقول كانط أن نفحص ملكة المعرفة قبل أن نبحث في الوجود الحقيقي للأشياء, إذ "علينا أن نفحص الأداة قبل أن نعهد إليها بالعمل, فننظر فيما إذا كانت قادرة على القيام بعملية المعرفة أم لا...". ويدلنا على الوجود هي الارتباطات القوية التي بين الأنطولوجيا (الوجود) والإبستمولوجيا (المعرفة) وذلك لأن البحث في الطبيعة الحقيقية للأشياء يستلزم البحث في قدرتنا على معرفة هذه الأشياء, ولما كانت قوى الإدراك البشري, سواء كان الحواس أم العقل, تتجه في بداية الأمر إلى العالم الخارجي الذي تقتضي حياة الإنسان أن يلائم بينه وبين نفسه, فقد نشأ البحث في الوجود (الأنطولوجيا) قبل البحث في المعرفة (الإبستمولوجيا) - وعندما فرغ الإنسان التأمل في الموجودات, أخذ يتأمل ذاته وقدراته وملكاته محاولا الكشف عن أسرارها, وعلى هذا النحو كان ظهور مبحث الوجود سابقا على مبحث المعرفة, لكنهما معا مبحثان ميتافيزقيان.
هناك اعتقدات في العصر الحديث على قيام ميتافيزيقا لا (أنطولوجيا) على نحو ما فعل الفلسوف الإنجليزي المعاصر كولنجوود, الذي أراد أن يجعل الميتافزيقا دراسة للافتراضات السابقة. على اعتبار أن الإنسان عندما يعبر عن فكرة في جملة معينة, فإنه يجد عدد كبير من الأفكار في رأسه أكثر مما تعبر عنه الجملة التي نطق بها. وهي أفكار يمكن أن يسبق بعضها البعض وإن كانت الأسبقية هنا منطقية لا زمنية.
ويجب أن نعرف بأن معنى الأنطولوجيا قد تغير في الفلسفة المعاصرة, لم يعد الوجود بصفة عامة Being أو دراسة للخصائص الكلية للوجود لأو المقولات التي هي لواحق للوجود. بل أصبحت كلمة الوجود الفعلي Existence, عند الفلسفة الوجودية التي اشتق اسمها منه, تعني أساسا الوجود العيني الفريد Unique لشخصية الموجود البشري الفرد, فهم لا يهتمون بالوجود الخارجي إلا من منظور إنساني, أي منظور وجود الذات البشرية بين غيرها من الموجودات البشرية التي هي الوجود العيني على الأصالة, مثل خاصية العلو والحرية والتفرد وغيرها.
وعلى هذا النحو يتسع مجال البحث الميتافيزيقي شيئا فشيئا كلما تطور تاريخ الوعي البشري, ومن هنا تنوعت أيضا الموضوعات التي تدرسها الميتافيزيقا. فقد ارتد الوعي البشري إلى نفسه بعد أن اهتم بالوجود الخارجي وبدأ ينشغل بمشكلات إنسانية خالصة, منها مثلا "مشكلة الحياة" نفسها فتساءل الإنسان: لماذا أعيش؟ وما معنى الحياة؟ وهل تستحق أن تعاش الحياة بكل ما فيها من ألم وعذاب ومعاناة؟ فقد يقال أن الحياة واقعة وليس علينا سوى أن نتقبلها, كما قال الفيلسوف الفرنسي باسكال "لقد أبحرت بنا السفينة, وليس في وسعنا سوى أن نمضي!". وقد يسأل, لم يسألنا أحد قبل أن نوجد, هل نريد هذا الوجود أم لا؟ وإن أردنا في أي عصر سنكون؟ وفي أي ثقافة؟ وهذا ما عبر عنه شاعرنا عمر الخيام بقوله:

لبستُ ثوب العيش لم أُستشر


وحرتُ فيه بين شتى الفِكَر

وهذه وجهة نظر ميتافيزيقية انشغلت بها الفلسفة الوجودية المعاصر, وعبر عنها واحد من فلاسفتها "كارل ياسبرز" فيما أطلق عليه اسم "المواقف الحدية" التي تعتبر حدا لقدرات الإنسان لا يستطيع التغلب عليها, واعتبر اللحظة التاريخية التي يوجد فيها الإنسان الفرد موقفا حديا يخرج عن دائرة قدراته, وكما ذكرنا سابقا تعبير باسكال عنها بوصفه أننا وجدنا على هذا النحو الذي لا دخل لنا فيه, وليس بوسعنا أن نعمل سوى مواصلة الحياة. هل هذا يعني أن المنتحر يعرف قيمة الحياة؟ أي يعلق عليها من الأهمية أكثر مما تستحق, وتنازله عن الحياة لأنها لم تجيء كما يطلبها؟ أي أنه يحب الحياة أكثر من اللازم فيفضل الموت على حياة لا تكون من الخصب والإمتلاء بحيث تستحق أن تعاش!من هذا المنطلق لا يكون الانتحار دليلا على تفاهة الحياة, بل فيه اعترافا ضمنيا بقيمة الحياة, وإلا لما أقدم على المنتحر على التخلص من الحياة لمجرد أنها لم تحقق له كل ما يهدف إليه "أسباب البقاء".
وبقد عبر رائد الوجودية "سرن كيركيغورد" عن هذه الفكرة الميتافيزيقية نفسها في عبارة أكثر تعقيدا بقوله:
"أنا أعزُ الوجود بإصبعي فلا تفوح منه سوى رائحة العدم. أين أنا؟ ماهو هذا الشيء الذي أسميه العالم؟ وما الذي أغراني بهذا الشيء وتركني الآن هنا؟ كيف جئت إلى هذا العالم؟ لماذا لم أُستشر؟ لماذا لم أتصل اتصالا مباشرا بعاداته وتقاليده, بل قذف بي في قلبه كما لو كنتُ قد جيء بي من عند تاجر رقيق...؟".

وكما اهتمت الميتافيزيقا بالحياة اهتمت كذلك بالموت وربما على نحو أكثر حدة, وذلك لما يثيره الموت من مفارقات وتناقضات:
فطبيعة الموت هي الكلية المطلقة, فجميع البشر فانون ((كل نفس ذائقة الموت)).
ولهذا قيل: إن الموت يتبع مع الجميع سياسة ديمقراطية تقوم على المساواة المطلقة إن صح التعبير. فهو لا يعرف التمييز بين العباقرة والجهلة, بين الشيخ والصغير, أخيار وأشرار... إلخ. ورغم طابعه الكلي يحمل طابع الشخصية الجزئية المطلق أيضا, وذلك لأن الموت فردي وشخصي وخاص, فكل واحد منا لابد أن يموت وحده, ولابد أن يموت هو نفسه ولا يمكن أن يموت أحد نيابة عن عيره أو بدلا منه.
ومن الطبيعة المتناقضة للموت يجمع بين "اليقين وعدم اليقين" فأنا أعرف بالضرورة أنني سأموت, ولكني لأعرف مطلقا متى سيكون ذلك وأين, كما قال الفيلسوف الفرنسي باسكال "إن كل ما أعرفه هو أنه لابد لي أن أموت عما قريب, ولكني لأجهل شيئا قدر ما أجهل هذا الموت الذي ليس لي عليه يدان"!.. فأنا على يقين
من شيء واحد فحسب هو ((فإذا جاء أجلُهُم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)).
والموت أيضا "حد" أو "نهاية". غير أن هذه الطبيعة نفسها تلقي بنا, بالضرورة, إلى ما وراء هذا الحد, فقدر كبير من دراسات الموت طوال التاريخ كان يوجه في الحقيقة لدراسة ما بعد الموت, وهذا هو السبب في أن مشكلة الموت تحولت بعد ذلك إلى دراسة موضوع الخلود..
ويرتبط الموت أيضا "بالخلق من العدم" ومن هنا كانت الحياة بسبب أنها مخلوقة مرتبطة بالموت, وكان الوجود لأنه خلق من العدم يحوي في جوفه حياة يكمن في الموت في جوفها. وموت الإنسان وفناءه لا يأتي من الخارج بل من داخله,فخلاياه, كما أنها تحمل الحياة, تحمل الموت أيضا,يقول هيجل: "إننا أحيانا نقول: إن الإنسان فانٍ, ونظن سبب فنائه يأتي من الظروف الخارجية, غير أن ذلك خطأ شائع, إذ لو صح ذلك لكان للإنسان خاصيتان منفصلتان: خاصية الحياة وخاصية الفناء, أما النظرة الصحيحة فه تلك التي ترى أن الحياة بما هي كذلك تحمل في طياتها جرثومة الموت, وأن المتناهى يناقض نفسه ويتضمن إلغاء ذاته...".

وهكذا نجد أن الميتافيزيقا في موضوعاتها ومشكلاتها لم تقف جامدة طوال تاريخها, بل كانت تتغير, وتظهر مشكلات جديدة وفقا لكل عصر.
نسمة
نسمة
Admin

المساهمات : 565
تاريخ التسجيل : 01/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الميتافزيقيا Empty رد: الميتافزيقيا

مُساهمة  نسمة السبت ديسمبر 08, 2007 9:48 am

التقسيم التقليدي للميتافيزيقا

اهتم كريستيان فولف (وهو من كبار فلاسفة التنوير في ألمانيا) بتقسيم الميتافيزيقا وجعلها على أربعة أقسام:

1- الإنطولوجيا أو نظرية الوجود.
2- الكسمولوجيا أو الكونيات.
3- السيكولوجيا أو علم النفس العقلي.
4- اللاهوت الطبيعي.
وهذا شرح بسيط لها...


1- الإنطولوجيا (علم الوجود) :

ظلت الإنطولوجيا قسما رئيسيا من أقسام الميتافيزيقا لا سيما طوال العصور الوسطى؛ مسحية وإسلامية على السواء, ثم تحولت في العصور الحديثة إلى دراسة الإبستمولوجيا كما نعرف عند ديكارت وكانط وغيرهما. وهناك ارتباط بين الإنطولوجيا والإبستمولوجيا, وذلك لأن دراسة الخصائص العامة للوجود تعني أضا معرفتنا بهذه الخصائص, فمن هنا اتحدت المعرفة والوجود اتحادا ضروريا في مذهب هيجل, وأصبحت كل مقولة أنطولوجية تمثل خاصية للوجود ودرجة من درجات المعرفة في الوقت نفسه.
ولا شك أن الفلسفة الوجودية المعاصرة قد أضافت الكثير من المعاني الجديدة عن كلمة الوجود, فهيدجر مثلا يستخدم مصطلح "الوجود المتعين" ليشير بذلك إلى اللون من الوجود الذي يتمثل في الإنسان, فهو عنده مصطلح أنطولوجي يشير إلى الإنسان من زاوية وجوده. وسارتر يستخدم مصطلحين للوجود هما "الوجود في ذاته" و "الوجود لأجل ذاته". أما الأول فهو يشير إلى الموجودات المادية الصماء المغلقة على نفسها, والتي لا تتطور وتظل هي هي باستمرار, أم الآخر فهو الوجود البشري - وجود الإنسان الفرد Existence الذي يظهر في الوجود, أو ينبثق بأن "يفصل نفسه" عما هو في ذاته, ومن ثم يكون حرا في اختيار ماهيته؛ لأن وجوده هو حريته؛ ولهذا كان الوجود في حالة الإنسان أسبق من الماهية التي يصنعها بأفعاله الحره على عكس الوجود في ذاته التي تتفق فيه الماهية مع الوجود.

2- السيكولوجيا:

يهتم أساسا بدراسة النفس البشرية: هل هي بسيطة أم مركبة؟ وهل هي نفس واحدة أم هناك عدة أنفس؟ وما الفرق بين الروح Spirit وبين النفس Soul؟ وما علاقة النفس بالبدن؟ ... إلخ.
وموضوع النفس مرتبط بموضوع آخر وهو "حرية الإرادة" ومر هذا الموضوع بمراحل مع التطور الفلسفي, فكان الموضوع في صورته الأولى, مشكلة لاهوتية, أي كيف نوفق بين وجود إله قادر على كل شيء, عالم بكل شيء من ناحية, وبين حرية الإنسان الفرد المسؤول أخلاقيا من ناحية أخرى؟, فالله قادر على كل شيء وقدر لكل شيء قدره وحدد مساره, ثم هو من ناحية أخرى يحاسب الإنسان, فيثاب ويعاقب على أعماله المقدرة سلفا, وهذه المشكلة, مشكلة الجبر والاختيار التي ظهرت في جميع الفلسفات الدينية؛ إسلامية ومسيحية, اهتم بها الفلاسفة اهتماما كبيرا فقدموا لها الكثير من الحلول والنظريات.
ثم تحولت المشكلة في المرحلة الثانية من التطور الفكري إلى مشكلة ميتافيزيقية بصفة خاصة, أي كيف نوفق بين الحرية الأخلاقية وبين السببية وعمومية القانون وشموله؟

وأصبحت في العصور الحديثة بعد أن سلم العلم بنظرية التطور أمثر دقة وأكثر عمقا - مشكلة الحياة نفسها, فهل الحياة حصيلة لعدة عوامل من الممكن حسابها رياضيا والتنبؤ بها بدقة, أما أنها حدث جديد في مجرى التطور؟...

3 الكسمولوجيا (الكونيات) :
وموضوعاتها معروفة لدينا, من ظهور الكون والبنية التي يتألف منها, ثم ماهي طبيعة المكان, وما طبيعة الزمان؟ وكيف ظهرت البدايات الأولى على الأرض؟.
يرى هيجل أبعد من ذلك, في أن الكسمولوجيا تدرس كذلك, الضرورة والأزل, والتحديد في الزمان والمكان وقوانين التغير في العالم وأصل الشر, وكذلك دراسة مشكلة الغائية, هل هناك غاية أو هدف في الكون (أصحاب مذهب الغائية), أم أن الكون بما فيه من ظواهر يسير بلا هدف ولا غاية (الطبيعيون)؟, وهل يمكن التوفيق بين النظرة الغائية الدينية, والنظرة العلمية الرافضة لكل غاية؟ بحيث يستطيع الإنسان قبول النظريتين...

4- اللاهوت الطبيعي :

يناقش موضوع الألوهية والأدلة على وجود الله.
وتنقسم المذاهب اللاهوتية إلى ثلاثة:
- مذهب التأليه: وأصحابه يؤمنون بوجود إله؛ فإن قالوا بوجود إله واحد كانوا من أتباع مذهب التوحيد, وإن قالوا بوجود أكثر من إله كانوا من أصحاب الشرك أو التعدد, وإن قالوا إن الله والعالم حقيقة واحدة كانوا من أتباع مذهب وحدة الوجود أو التجسيد أو شمول الألوهية الذي ذهب بأن الله حال في العالم أو تجسد فيه بطرقة أو بأخرى. نستطيع أن نقول بأن فلاسفة الإسلام والمسيحية كانوا, بصفة عامة, من أصحاب مذهب التوحيد. أما فلاسفة اليونان كانوا من أتباع التعدد, في حين اسبينوزا من أتباع مذهب وحدة الوجود.
- مذهب الطبيعين الإلهيين: وهم الذين يؤمنون بوجود إله, لكنهم ينكرون الوحي والرسل والكتب المقدسة على أساس أن العقل وحده بنوره الطبيعي قادر على معرفة الله, ومن أصحاب هذا المذهب فولتير وروسو في فرنسا, ولوك ونيوتن في انجلترا.
- الإلحاد: أصحابه ينكرون الألوهية في كل صورها, منهم ماركس, نيتشه, هيدجر و سارتر.
أما الإمتناع عن الحكم, أي تعليق الرأي إيجابا وسلبا, فهؤلاء أصحاب مذهب اللاأدرية, أي رفضون الجزم بوجود الإله أو عدم وجوده, ومنهم توماس هنري هكسلي وبرتراند رسل.


هذا هو التقسيم التقليدي للميتافيزيقا, وقد هاجمه كانط بعنف في كتابه "نقد العقل المحض" ووصف بالدغماطيقية أو القطعية, تسلم موضوعاتها قبل أن تسأل نفسها, هل في استطاعتها أن تدرسها أم لا؟ وهل ملكات العقل البشري قادرة على معرفتها أم أن هذه الملكات لا تستطيع أن تدرك إلا الظاهر وحده فحسب؟ ثم جاء هيجل ليبارك الهجوم الكانطي ويقول "إن وضع مصطلحات الميتافيزيقية القديمة موضع البحث كان خطوة على جانب كبير من الأهمية". فالتقدم للأمام لا يكون إلا بالنقد الكانطي.
نسمة
نسمة
Admin

المساهمات : 565
تاريخ التسجيل : 01/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الميتافزيقيا Empty رد: الميتافزيقيا

مُساهمة  نسمة السبت ديسمبر 08, 2007 9:48 am

المشكلة الميتافيزيقية

كيف تنشأ المشكلة الميتافيزيقية؟! حقيقة بعد كل هذا, نبدأ بالاستفسار بهذا السؤال, وللحظة ظننت أنها تخص الفلاسفة الكبار, ولا تخصني أو أي شخص آخر, لكن هي مشكلة تصادف العقل البشري أيا كان..

يذهب الفيلسوف الأفلاطوني المعاصر ألفرد إدوارد تيلور إلى أن المشكلة الميتافيزيقية تظهر أساسا لوجود تناقض في خبرتنا المألوفة. فقد علمتنا تجارب الحياة اليومية أن نفرق بين ما يوجد الحقيقة, وبين ما يظهر أنه موجود حقيقي, وليس هناك تقابل في لغات الأمم المتحضرة وآدابها أكثر شيوعا من التقابل بين الظاهر والحقيقة, فيلقى الإنسان هذا التقابل في نشاطه, وأخلاقه وأهدافه وفي أيضا دراستنا لظواهر الطبيعة على حد سواء.

أولا: تناقض الخبرة:

- في الحياة اليومية:
لاشك في أننا نلتقي الكثير من ألوان التناقض في حياتنا اليومية, فمثلا إظهار صديق لك الولاء والصدق, ولكن الحقيقة انها أبعد من تكون كذلك, قد لا يتورع عن الكذب أو الإفتراء عليك من وراءك.. ونجد هذا السلوك واضح جدا في مجال السياسة, فهنا النفاق سلوكا مميزا للفرد والجماعة.

نحن نقابل باستمرار "الظاهر والحقيقة" في حياتنا اليومية وفي الظواهر الطبيعية أيضا, فمثلا بين المظهر السكوني للأرض وحركتها الحقيقية, والتشابه الظاهر لكتلة من المادة واختلاف عناصرها الكيميائية, وحركتها الحقيقية.

والدافع في التفرقة بين الظاهر والحقيقة واحد دائما, وهو الهروب من الاعتراف بالتناقض في خبرتنا وتجاربنا اليومية؛ لأن العقل يأبى التسليم بالتناقض. فلو افترضنا أن إدراكتنا الحسية امتنعت عن التضارب بعضها مع بعض, لكنا على استعداد للتسليم بها جميعا, ولصنفناها كلها بأنها حقيقية وصادقة, ولامتنعنا نحن بدورنا عن إثارة الأسئلة حول صدقها أو كذبها النسبي. ولن نكون بحاجة إلى تصحيح انطباعاتنا الأولى المباشرة عن طبيعة أنفسنا, فتصبح كلمة الخطأ بلا معنى..

ما الجانب من تفكيرنا الذي يصور العالم تصويرا دقيقا وحقيقيا؟ وما هي الجوانب أوالأفكار التي لا تعبر إلا عن الظاهر فحسب؟

يقول برتراند رسل: إننا إذا ما أخذنا أي موضوع نألفه مما نظن أننا نعرفه عن طريق الحواس لوجدنا أن ما تنبئنا به الحواس مباشرة عنه, ليس هو حقيقة هذا الشيء في ذاته مستقلا عنا, بل الواقعة المتعلقة ببعض المعطيات الحسية التي تعتمد على العلاقات بيننا وبين ذلك الموضوع, وهكذا فإن ما نراه ونشعر به ليس إلا مظهرا نعتقد أنه إشارة إلى حقيقة تكمن خلفه. ولكن إذا كانت الحقيقة ليست إلا ما يظهر, فهل لدينا أية وسيلة للكشف عن طبيعة هذه الحقيقة...؟

لقد كانت أهمية الإشكالات الكثيرة التي يأتى بها " الإدراك الحسي المباشر" لمثل هذا الضرب من التفكير الفلسفي هي التي جعلت أفلاطون, وأرسطو من بعده, يصف الفلسفة بأنها وليدة التعجب والدهشة مما يراه المرء من مفارقات ومتناقضات في الحياة وظواهرها الطبيعية في آن معا.
ومن فكرة التغير -التي تعني انتقال الشيء من حال إلى حال آخر يختلف عن الحال الأول- سار الميتافيزيقيون إلى طرح سؤال هو: ما الذي يتغير؟ وما الذي يكون دائما أو ثابتا؟ وأجابوا أنه الجوهر, فعكفو على دراسته وأعراضه, فظهرت نظريات ميتافيزيقية متنوعة عن طبيعة الجوهر والأعراض, وتفرعت منها مشكلة أخرى عن الواحد والكثير, فالجوهر - كهذا الشخص مثلا – لكنه يحمل صفات كثيرة, فكيف يرتبط الواحد بالكثير, وكيف يرتبط الكل بالأجزاء, وهكذا ظهرت المشكلات الميتافيزيقية يعقب بعضها بعضا في سلسلة مترابطة الحلقات.

- في الحياة العلمية:
إذا كانت الحياة اليومية تكشف لنا عن تناقضات في الخبرة في جميع المجالات السياسية, والدينية, والأخلاقية, والثقافية...إلخ, فإن العلم يثير مشكلات من نفس النوع, وليس في استطاعتنا أن نقول إن محاولة التوفيق بين المتناقضات التي يثيرها الإدراك الحسي المباشر في كل صوره, أو التي نلتقي بها في ميادين الحياة المختلفة يمكن أن تقتصر على علم بذاته. فالقاسم المشترك الأعظم بين العلوم جميعا هو محاولة الكشف عما ينبغي أن نقول عنه حقيقي, وما يجب أن نقول عنه إنه مجرد ظاهر أو مظهر في ذاك الفرع أو ذاك من أفرع الميتافيزيقا. فهناك باستمرار في كل دراسة محاولة لرفع التناقض.
يضيف تيلور مثال على التناقض, فنحن نجد أنفسنا أحيانا مضطرين إلى اعتبار المادة ساكنة وقادرة على الحركة عن طريق دفعة تأتيها "من الخارج" مع أننا ننظر إليها أحيانا أخرى, على أن لها قوى مركزية "في داخلها". ومن الواضح أن هاتين النظريتين المتعارضتين لا يمكن أن تكونا صحيحتين صحة نهائية. ومن ثم نجد أنفسنا في هذا الموقف: إما أن نتخلى عن التفكير المتسق غير المتناقض, أو نواجه هذا السؤال: هل إحدى هاتين الوجهتين من النظر صادقة صدقا كاملا؟ وإذا كانت واحدة منهما صادقة على هذا النحو فما هي...؟ ومن ناحية أخرى فإننا يمكن نجد أن المباديء الأساسية في دراسة من الدراسات تتناقض مع مباديء دراسة أخرى, مثلا؛ الارتباط المطلق لكل حركة من الحركات, بسلسلة الحركات السابقة عليها, وهو ما يفترض كمبدأ أساسي في علم الميكانيكا – يتناقض, فيما يبدو مع حرية الإرادة البشرية – ومع حقيقة الغرض أو الغائية الإنسانية, وتلك وقائع أساسية عند علم آخر مثل علم الأخلاق, أو التاريخ. ومن ثم تجدنا مضطرين إلى طرح السؤال: أيهما أكثر صدقا: الضرورة الآلية أم الحرية الأخلاقية, أي الفكرتين هي الحقيقة, وأيها هي الظاهر...؟!

لقد أخذت الميتافيزيقا على عاتقها, في شيء من التنظيم والعمومية, أكثر من أي علم آخر, أن تقوم بمهمة طرح السؤال أساسا عما نعنيه بالوجود الحقيقي أو الواقع الحقيقي, وإلى أي درجة تتفق نظرتنا العلمية, وغير العلمية, وإلى العالم, مع الخاص العامة لهذا الوجود الحقيقي. ومن هنا فقد قيل عن الميتافيزيقا " إنها محاولة لفهم جميع تصوراتنا السابقة وللشك فيها ". وقيل عنها ايضا: " إنها جهد دءوب غير مألوف للتفكير تفكيرا متسقا " ...
نسمة
نسمة
Admin

المساهمات : 565
تاريخ التسجيل : 01/12/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى